قطب الدين الراوندي

56

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

السقاء ، وعصفت به عصفها بالفضاء ، ترد أوله على آخره وساجيه على مائره ، حتى عب عبابه ورمى بالزبد ركامه ، فرفعه في هواء منفتق وجو منفهق ، فسوى منه سبع سماوات جعل سفلاهن موجا مكفوفا وعلياهن سقفا محفوظا وسمكا مرفوعا بغير عمد يدعمها ولا دسار ينتظمها . ثم زينها بزينة الكواكب وضياء الثواقب وأجرى فيها سراجا مستطيرا وقمرا منيرا ، في فلك دائر وسقف سائر ورقيم مائر . ثم فتق ما بين السماوات العلى فملأهن أطوارا من ملائكته ، منهم سجود لا يركعون وركوع لا ينتصبون وصافون لا يتزايلون ومسبحون لا يسأمون ، لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو العقول ، ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان ، ومنهم أمناء على وحيه وألسنة ( 1 ) على رسله ومختلفون بقضائه وأمره ، ومنهم الحفظة لعباده والسدنة لأبواب جنانه ، ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم والمارقة من السماء العليا أعناقهم والخارجة من الأقطار أركانهم والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم ، ناكسة دونه أبصارهم متلفعون تحته بأجنحتهم ، مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة ، لا يتوهمون ربهم بالتصوير ولا يجرون عليه صفات المصنوعين ولا يحدونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر . ( 2 ) ( بيانه ) ذكر قبل هذا الفصل انشاء اللَّه خلقا ذا شبح وحياة وغريزة له أحناء وأعضاء ثم ذكر هاهنا انشاء اللَّه السماوات وأول خلقها وفتق بعضها من بعض وتمييزها

--> ( 1 ) في الف ، ب ، نا ، يد : إلى رسله . ( 2 ) في الف : بالمواطن .